صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

16

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وأمن ، وصحة ومرض ، وقلة وكثرة ، إلا بمشيئته سبحانه وتعالى . هو سبحانه خالق الإنسان ومدبره ، فللإنسان عزيمة وإرادة ، وله قدرة وعمل ، والذي أودع فيه تلك العزيمة وخلق فيه القدرة هو اللّه عز وجل ولو شاء لسلبه الفكر فضاعت إرادته ، ولو شاء لسلبه القدرة فما استطاع العمل . إن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة لا يتم الإيمان إلا به ، لكنه ليس حجة للإنسان على فعل معاصي اللّه أو التهاون بما أوجب اللّه ، وجه ذلك أنّ اللّه أعطاك عقلا تتمكن به من الإرادة ، وأعطاك قدرة تتمكن بها من العمل فلذلك إذا سلب عقل الإنسان لم يعاقب على معصية ، ولا ترك واجب ، وإذا سلب قدرته على الواجب لم يؤاخذ بتركه . إن الاحتجاج بالقدر على المعاصي أو ترك الواجبات حجة داحضة باطلة أبطلها اللّه في كتابه ويبطلها العقل والواقع « 1 » . أبطلها اللّه في كتابه فقال تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ « 2 » . ب - الابتلاء جسر يوصل إلى أكمل الغايات : يقول ابن القيم - رحمه اللّه - : إذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته وجدت أنه ساقهم به إلى أجلّ الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان ، وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه ، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة ، فصورته صورة ابتلاء وامتحان وباطنه فيه الرحمة والنعمة ، فكم للّه من نعمة جسيمة ومنة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان ، فتأمل حال أبينا آدم عليه السلام وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة ، ولولا تلك المحنة التي جرت عليه وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك لما وصل إلى ما وصل إليه « 3 » . ج - الابتلاء وسيلة للتمكين في الأرض : قيل للشافعي - رحمه اللّه - يا أبا عبد اللّه ، أيهما أفضل للرجل أن يمكّن أو يبتلى ؟ ( أي بالضراء ) ، فقال الشافعي : لا يمكّن حتى يبتلى ، فإنّ اللّه تعالى ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا - صلوات اللّه عليهم أجمعين - فلما صبروا ( على الابتلاء ) مكّنهم « 4 » . د - تمحيص المؤمن وتخليصه من الشوائب المنافية للإيمان : إن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم أو في أرزاقهم ، أو غير ذلك مما يتصل بهم مما يسرهم الكمال فيه ويؤلمهم النقص منه ، تكمن حكمتها في التمحيص الناتج عن هذا الابتلاء والامتحان ، يقول اللّه تبارك وتعالى :

--> ( 1 ) الضياء اللامع للشيخ محمد بن صالح عثيمين ص 349 . ( 2 ) النساء / 165 . ( 3 ) مفتاح دار السعادة 1 / 299 . ( 4 ) الفوائد لابن القيم ص 283 .